الشيخ محمد النهاوندي

560

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقيل : كتمان الشّهادة هو أن يضمرها ولا يتكلّم بها ، فلمّا كان « 1 » مقترفا بالقلب اسند إليه ، لوضوح أنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ، كما يقال : هذا ممّا أبصرته عيني ، وعرفه قلبي « 2 » . وقيل : هذا الإسناد ؛ لئلا يظنّ أنّه من الآثام المتعلّقة باللّسان فقط ، وليعلم أنّ القلب أصل متعلّقة ، ومعدن اقترافه ، واللّسان ترجمان عنه ، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال الجوارح ، إذ هي لها كالأصل الذي تنشعب منه . ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيّئات الإيمان والكفر ، وهما من أفعال القلوب ، فإذا جعل كتمان الشّهادة من آثام القلب ، فقد شهد له بأنّه من معظّمات الذّنوب « 3 » . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : أكبر الكبائر الإشراك باللّه ، لقوله تعالى : فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ « 4 » وشهادة الزّور ، وكتمان الشّهادة « 5 » . وفي حديث مناهي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ونهى عن كتمان الشّهادة . . . بقوله : وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ « 6 » . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الطّاعة والمعصية ، والخيانة في الأمانة وردّها ، وكتمان الشّهادة وأدائها عَلِيمٌ فيجازيكم أوفق الجزاء . وفيه غاية التهديد . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 284 ] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) ثمّ لزيادة التّرهيب على المخالفة والكتمان ، ذكّر العباد سعة قدرته وإحاطة علمه ، ونبّههم بهما . أما سعة قدرته فبقوله : لِلَّهِ بالملكية الحقيقية الإشراقيّة ، لا الاعتباريّة الإضافيّة ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جميعا ، لا يخرج موجود من الموجودات - في عوالم الملك والملكوت ، قويّها وضعيفها وعظيمها وحقيرها - من تحت قدرته وسلطانه ، فلا عجز له من عقوبة من عصاه ، وإثابة من أطاعه ، هذا سعة قدرته . وأمّا إحاطة علمه سبحانه فبقوله : وَإِنْ تُبْدُوا تظهروا بالقول أو الفعل ما فِي أَنْفُسِكُمْ

--> ( 1 ) . أي الكتمان . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 443 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 443 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 72 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 1 : 443 . ( 6 ) . من لا يحضره الفقيه 4 : 7 / 1 ، تفسير الصافي 1 : 286 .